هل يولد التحالف الإسلامي من مكة ؟
هل يولد التحالف الإسلامي من مكة ؟
منذ سقوط الخلافة العثمانية الإسلامية ظل العالم الإسلامي المتهالك بعدها يبحث عن صيغة تعيد إليه شيئًا من توازنه المفقود وترمّم ما تثلّم من أمجاده التي أهدرها الحكام بركضهم خلف الكرسي وذلك في نظام دولي لم يكن يومًا محايدًا تجاهه ولم يشركه في قرارات كان جزءا فيها و لكن بالقدر الذي يتحمّل فيه التبعات لا عنصرا فاعلا في صناعة القرار ، نشأت مشاريع كثيرة حملت في جنباتها إرهاصات توحي بمحاولات لجمع الشتات من منظمة التعاون الإسلامي إلى منظمة المؤتمر الإسلامي إلى محاولات التعاون العربي والإسلامي ثم ظهرت تحالفات إقليمية متفرقة لكنها غالبًا بقيت أسيرة الخلافات السياسية وتباين المصالح والتي عززتها الخيانات و الإستقطابات المنبثقة عن السعي خلف المصالح الضيّقة والارتهان الاقتصادي للقوى الكبرى.ولعل المفارقة التاريخية أن العالم الإسلامي يملك من عناصر القوة ما يكفي لصناعة كتلة دولية وازنة وفاعلة وذات سيادة وقرار الطاقة في الخليج والموقع الجغرافي التركي والقوة البشرية والعسكرية الباكستانية والثروات الطبيعية والأسواق الواسعة فضلًا عن امتداده الجغرافي الذي يصل آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا. غير أن امتلاك عناصر القوة شيء وتحويلها إلى قوة استراتيجية متكاملة شيء آخر. واليوم يبدو أن الرياض وأنقرة وإسلام آباد تدخل مرحلة جديدة من التقارب ففي سبتمبر 2025 وقعت السعودية وباكستان اتفاقًا للدفاع المتبادل ينص على أن العدوان على إحدى الدولتين يُعد عدوانًا على الأخرى ثم جاء في 7 أغسطس 2026 الاتفاق الدفاعي الثلاثي بين السعودية وتركيا وباكستان بما يجعل أي اعتداء مسلح على إحدى الدول الثلاث قضية مشتركة بينها. إنها لحظة سياسية مهمة لكنها ليست نهاية الطريق بل ربما تكون بدايته.
التحالف الحقيقي لا يُبنى بالدبابات وحدها السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم ليس هل تستطيع السعودية وتركيا وباكستان أن تتعاون فيما بينها عسكريًا ؟فالإجابة واضحة نعم. السؤال الأخطر هو هل تستطيع هذه الدول أن تحول تعاونها العسكري إلى منظومة قوة شاملة فاعلة إقليميا و دوليا لا تستطيع القوى الخارجية الكبرى تفكيكها ؟
هنا يظهر الاقتصاد
فالتاريخ السياسي يعلمنا أن التحالفات التي تقوم على الأمن وحده قد تصمد أمام عاصفة كإنقلاب أو مناوشات لا ترقى لمستوى حرب شاملة لكنها نادرًا ما تتحول إلى منظومة استراتيجية دائمة وفاعلة أما حين تصبح المصالح الاقتصادية متشابكة بما يكفي ليصبح تهديد دولة هو بمثابة تهديد لباقي أطراف التحالف والاستثمارات متبادلة المساس بها يعد تهديدا لكامل الأطراف وسلاسل الإمداد مشتركة والطاقة والصناعة والدفاع والتكنولوجيا مرتبطة ببعضها ترابطا لا يمكن الفكاك منه فإن الانفصال يصبح مكلفًا للجميع وبالتالي يصبح التحالف أكثر متانة و في نفس الوقت أكثر خطورة وهذا هو الفارق بين معاهدة أمنية وكتلة استراتيجية
فالسلاح يستطيع أن يردع الخصم لكنه لا يستطيع وحده أن يبني اقتصادًا ولا أن يصنع التكنولوجيا ولا أن يخلق الوظائف ولا أن يؤسس استقلالًا نقديًا سياديا ولا أن يضمن استمرار التحالف بعد تغير الحكومات والقيادات . لأن الإعتماد على التحالفات العسكرية دون التشابك في شتى المجالات الإقتصادية و العلمية و نقل التكنولوجيا وتبادلها سيجعل التحالف قابلا للإختراق لأن المصالح المُهدّدة لا توجد مما يجعل الإنسحاب من التحالف ممكنا جدّا لتقليل الخسائر
السعودية تملك ما تحتاجه تركيا وباكستان و المعادلة بين الدول الثلاث تبدو شديدة الأهمية. السعودية تمتلك الطاقة والثقل المالي ومشاريع البنية التحتية والأسواق والاستثمارات السيادية.، تركيا تمتلك قاعدة صناعية متقدمة وخبرة في الصناعات الدفاعية وموقعًا جغرافيًا فريدًا يربط آسيا بأوروبا، فضلًا عن قدراتها المتنامية في الطيران المسيّر والصناعات العسكرية. أما باكستان فتملك العامل البشري الضخم وقوة عسكرية كبيرة وخبرة استراتيجية وعسكرية واسعة إضافة إلى موقع جغرافي بالغ الحساسية في جنوب آسيا و بالنظر إلى مجموع هذه العوامل إذا تراكمت في منظومة واحدة يمكن أن تنتج قوة استرتيجية أكبر مما ستكون عليه لو كانت مجزأة. وذلك لن يحدث بمجرد توقيع اتفاقية دفقاعية .
المعادلة المفقودة
الاقتصاد أولًا
المفارقة أن الرياض وإسلام آباد بدأتا بالفعل خطوات في هذا الاتجاه فقد أعلنتا في أكتوبر 2025 إطلاق إطار للتعاون الاقتصادي يشمل الطاقة والصناعة والتعدين وتكنولوجيا المعلومات والسياحة والزراعة والأمن الغذائي والاستثمار.كما أن العلاقات الاقتصادية التركية الباكستانية ليست جديدة فهناك تعاون في التجارة والاستثمار والطاقة والدفاع و لكن المطلوب أكبر بكثير من اتفاقيات متفرقة
إذا ماهو المطلوب ؟
المطلوب هو هندسة اقتصادية للتحالف أي أن تتجاوز العلاقات مرحلة الشراء و البيع والإستثمارات غير الإسترتيجية إلى خلق شبكة مصالح مترابطة السعودية تمول وتركيا تصنع وباكستان تنتج والأسواق الثلاثة تستهلك بحيث يدخل الثلاثة في مشاريع مشتركة بحيث يصبح الدفاع يحمي المصالح الاقتصادية.المشتركة مايجعل بطريقة تلقائية الإتفاقيات الأمنية أكثر تماسكا و خارج النمطية المعهودة عندها فقط يبدأ التحالف التطور إلى منظومة متشابكة ، متكاملة وفاعلة مما يجعل الإنفصال أو التخاذل عن النصرة تفعيلا للإتفاقية مكلفًا .
ليس بالضرورة أن يكون التحالف لايُقهر وإنما التحالف الفعلي هو ما يجعل مصالح الأطراف متشابكة إلى درجة يصبح فيها انهيار التحالف خسارة اقتصادية مباشرة لكل طرف وضياع فرص لا يمكن تداركها خارج التحالف ، ومن بين أساليب التكامل أن يفكر الأطراف في إنشاء صندوق استثماري ثلاثي يمول مشاريع مشتركة في الطاقة والمعادن والصناعات الدفاعية والذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والأمن الغذائي ، كما يمكن إنشاء شركات مشتركة في الصناعات العسكرية تسعى لخلق تقنيات وليدة من التحالف لتحقيق مفهوم الإستقلال الدفاعي وإن كان الامر سيستنزف الكثير من الوقت و الجهد ولكن يبقى غير مستحيل فبدل أن تكون السعودية مجرد مشترٍ للسلاح التركي أو الباكستاني وجب أن تنتقل العلاقة إلى التصنيع المشترك ونقل التكنولوجيا والتطوير والبحث العلمي وتبادل البعثات العلمية و إنشاء مراكز التكوين و الأهم من ذلك أن تتحول الثروات السعودية من مجرد أموال مستثمرة في الخارج إلى رافعة لبناء قاعدة إنتاجية داخل التحالف نفسه. فالثروة التي تُستثمر داخل منظومة استراتيجية متكاملة ستصنع نفوذًا وسيادة. لكن وجب التشديد على أمر مهم التحالف من زاوية نظري تنتفي معه ارتهان ثروات بلد ما لخدمة أحد الأطراف فنصبح بذلك أمام تبعية جديدة وهذا لا يعتبر تحالفًا بل رهن لمقدرات الدولة باسم التحالف و نكون أمام تحالف وهمي ، فالتحالف المقصود هو التحالف الذي تتشابك فيه المصالح كتشابك الأسر بواقعة تعدد المصاهرات حتى يصبح الفكاك منه شبه مستحيل و إن حدث فمرورا بخسائر كارثية ، تحالف لا تفقد فيه أي دولة سيادتها فإذا أرادت الدول الثلاث أن تجعل من اتفاق مكة نقطة تحول فاصلة في تاريخ الدول الثلاث فعليها اللجوء إلى خلق منظومة متكاملة تحدد فيها مهام الأطراف بدقة و تتداخل بالقدر الذي يخدم مصالح الأطراف جميعا عندها فقط يصبح الحديث عن استقلال استراتيجي حديثًا جادًا.
فالعالم الجديد لا تحكمه حاملات الطائرات وحدها تحكمه أيضًا أشباه الموصلات وتايوان خير دليل فقد اصبحت نقطة تشابك لمصالح أمركية صينية والطاقة، والموانئ والذكاء الاصطناعي والعملات وسلاسل الإمداد والأمن الغذائي والقدرة على تصنيع السلاح محليًا. ومن لا يملك هذه الأدوات سيظل مضطرًا إلى استيراد أمنه حتى لو امتلك جيشًا قويًا.بأحدث الأسلحة
الخلاصة إن التحالف السعودي–التركي–الباكستاني يمتلك مقومات نادرة المال والموقع والسلاح والسوق والقوة البشرية والخبرة الصناعية والعسكريةإن بُنيت داخل منظومة تسعى لتغيير شكل نفوذها فالتاريخ لا يرحم التحالفات التي تعيش على البيانات السياسية وحدها
. إذا بقي الاتفاق إطارًا عسكريًا دفاعيا خاليا من أعمدة تقيم أوده و تشابك مصالح تهدد وجود الدول فعليا في حالة انهيارها سيظل محدودًا وقابلًا للتأثر بتغير الظروف الدولي ولن يغير شيئا في ميزان الردع أما إذا تحول إلى تحالف أمني دفاعي صناعي علمي اقتصادي بحيث تصبح الطاقة والاستثمار والصناعة والتجارة والتكنولوجيا والأمن مصالح مشتركة فإننا لن نكون أمام اتفاق دفاعي عابر بل أمام نواة كتلة إقليمية جديدةستغيّر مفهوم السيادة والقاعدة التي ينبغي ألا تغيب عن صانعي القرار هي لا تحالف عسكري يدوم إذا كانت الجيوش متحالفة و الإقتصادات متنافسة فهذا بالأساس نسميه تحالف شكلي أو الأقرب إلى الوهم و لايعدو كونه مجموعة بنود تناولتها وثيقة رسمية
. فالسلاح يحمي التحالف والاقتصاد يموله والتكنولوجيا تمنحه الاستقلال وتشابك المصالح يمنحه القدرة على البقاءدفاعا على المصالح المشترك ة و إذا أرادت مكة أن تكون نقطة انطلاق لتحالف إسلامي جديد فعليها ألا تجعل من الدفاع المشترك نهايته بل أن تجعل منه البند الأول في مشروع اقتصادي واستراتيجي أكبر لأن السعودية فعلا قادرة على تغيير موازين العالم الإسلامي لو تخرج من عباءة الأمركي و سيكون هذا التحالف نواة لاستقطاب باقي الدول الإسلامية و تكوين تحالف شبيه بحلف الناتو أو الإتحاد الأوروبي
#الله_المستعان
#معاذ_جدي




ليست هناك تعليقات